السيد محمد حسين فضل الله

229

من وحي القرآن

الثبات ، وتجعله في قبضة الاهتزاز الدائم ، تبعا لاختلاف الأهواء والشهوات التي لا تشتعل إلا لتتبخر في الهواء ، كما الزبد الذي يذهب جفاء ولا يبقى منه شيء ينفع الناس . وهذا ما أراد موسى أن يعمّقه في ذواتهم من أسلوب الإنكار على هذه الرؤية المظلمة للأشياء ، ليدرسوا واقعهم المستقبليّ في نتائجه السلبية ، على هدى واقع هؤلاء في النتائج السلبية الحاضرة . ثم عاد ليربطهم باللَّه من خلال النعمة ، قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ، في ما منحكم من نعمه الكثيرة ، وما ميّزكم به على فرعون وقومه من اختصاصكم برحمته وبآياته وبغير ذلك من نعم كبيرة في كل مجالات حياتكم . . . إنه تفضيل النعمة التي يختص اللَّه بها بعض عباده لحكمة هناك ، لا تفضيل القيمة التي يرفع بها بعض عباده على بعض درجات في قربهم منه ومن رضوانه ورحمته ، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير سورة البقرة . إنه يذكرهم بهذه النعم ليفكروا ويقارنوا ، ليأخذوا النتيجة الحاسمة ، وهي أن لا شيء غير اللَّه يمكن أن يعطي الإنسان أيّة نعمة في حياته ، لأنه لا يملك - حتى لنفسه - نفعا ولا ضرا . * * * موسى يذكّر قومه بنعم الله عليهم وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . هل فكرتم في هذه النعمة العظيمة ، وهي نعمة الحرية التي عدتم بها أحرارا ، تملكون تفكيركم وإرادتكم وحركتكم في الحياة بعد أن كنتم عبيدا لآل فرعون يمارسون ضدكم كل ألوان العذاب القاسي ، فيقتلون كل مولود ذكر يولد لكم ، ويبقون نساءكم إماء لهم ، وهذا هو البلاء العظيم الذي أنقذكم منه ، بطريقة معجزة غير عاديّة .